أبو الليث السمرقندي
413
تفسير السمرقندي ( تفسير بحر العلوم )
قوله تعالى : الَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسائِهِمْ قرأ عاصم يظاهرون بضم الياء وكسر الهاء ، والتخفيف من ظاهر يظاهر ، وقرأ ابن كثير ، ونافع ، وأبو عمرو ، يظهارون بنصب الياء ، مع التشديد ، وهو في الأصل يتظهرون ، فأدغمت التاء في الظاء ، والمعنى في هذا كله واحد ، يقال : ظاهر من امرأته ، وتظهّر منها ، وأظهر منها ، إذا قال لها : أنت عليّ كظهر أمي . ثم قال : ما هُنَّ أُمَّهاتِهِمْ وروى الفضل عن عاصم ، أمهاتهم بضم التاء ، لأنه خبر ما ، كقولك ما زيد عالم ، وقرأ الباقون بالكسر ، لأن التاء في موضع النصب ، فصار خفضا لأنها تاء الجماعة ، وهي لغة أهل الحجاز ، فينصبون خبر « ما » ، كقوله ما هذا بشرا ، ما هن كأمهاتهم في الحرمة إِنْ أُمَّهاتُهُمْ يعني : ما أمهاتهم إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ يعني : الأم التي ولدته ، والأم التي أرضعته ، لأنه قال في موضع آخر وَأُمَّهاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ [ النساء : 23 ] . ثم قال : وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَراً مِنَ الْقَوْلِ وَزُوراً يعني : قولا منكرا وكذبا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ يعني : ذو تجاوز غَفُورٌ ، حيث جعل الكفارة لرفع الحرمة ، ولم يجعل فرقة بينهما . ثم قال : وَالَّذِينَ يُظاهِرُونَ مِنْ نِسائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا يعني : يعودون لنقض ما قالوا ، ولرفع ما قالوا في الجاهلية فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ يعني : فعليه تحرير رقبة ، ويقال ثُمَّ يَعُودُونَ لِما قالُوا فيه تقديم وتأخير ، يعني : ثم يعودون فتحرير رقبة لما قالوا ويقال : معناه ثم يعودون لما قالوا في الجاهلية ، وذلك أنهم كانوا يتكلمون بهذا القول فيرجعون إلى ذلك القول بعد الإسلام ، وقال بعضهم : لا تجب الكفارة حتى يقول مرتين ، لأنه قال : ثم يعودون لما قالوا ، يعني : يعودون مرة أخرى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ هذا القول خلاف جميع أهل العلم ، وإنما تجب الكفارة إذا قال مرة واحدة . والكفارة ما قال اللّه تعالى فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ [ النساء : 92 ] يعني : عتق رقبة مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا يعني : من قبل أن يجامعها . ويقال من قبل أن يمس كل واحد منهما صاحبه ذلِكُمْ تُوعَظُونَ بِهِ يعني : هذا الحكم الذي تؤمرون به وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ من الوفاء وغيره . وقوله تعالى فَمَنْ لَمْ يَجِدْ يعني : من لم يجد الرقبة فَصِيامُ شَهْرَيْنِ مُتَتابِعَيْنِ يعني : فعليه صيام شهرين متتابعين ، لا يفصل بينهما مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا